محمد سعيد رمضان البوطي
28
من روايع القرآن
التدرّج في التفكير والتأمّل من ناحية ، ومفاجأة الخوف والرعب من ناحية أخرى ؛ وإلا لاقتضى ذلك أن يعيش عامّة المفكرين والمتأملين والملهمين نهبا لدفعات من الرعب والخوف المفاجئة المتلاحقة ! وأنت خبير أن الخوف والرعب ورجفان الجسم وتغيّر اللون - كل ذلك من الانفعالات القسرية التي لا سبيل إلى اصطناعها والتمثيل بها ، حتى لو فرضنا إمكان صدور المخادعة والتمثيل منه عليه الصلاة والسلام ، وفرضنا المستحيل من انقلاب طباعه المعروفة قبل البعثة إلى عكسها تماما . إن صاحب الإلهام والإشراق النفسي والروحي ، ليس من شأنه أن تتجسد إلهاماته أمام عينيه فجأة فيرتعد منها ثم يحسبها أتيّا من الجنّ . ولقد فوجئ عليه الصلاة والسلام بالملك يخاطبه ويكلّمه ، ولقد ارتجف خوفا منه وذهب في محاولة معرفته كل مذهب ، حتى ظن أنه قد يكون من الجان ، وذلك معنى قوله لخديجة ( لقد خشيت على نفسي ) . 2 " - لقد قضت الحكمة الإلهية أن يحتجب عنه الملك الذي رآه لأول مرة في غار حراء ، مدة طويلة ؛ ولقد استبدّ به القلق والضجر من أجل ذلك ، ثم تحول القلق لديه إلى خوف في نفسه من أن يكون اللّه عزّ وجلّ قد قلاه ، بعد أن أراد أن يشرّفه بالوحي والرسالة لسوء قد صدر منه ، حتى لقد ضاقت الدنيا عليه ، وراحت تحدّثه نفسه كلما وصل إلى ذروة جبل أن يلقي بنفسه منها . . إلى أن رأى بنفسه الملك الذي رآه في حراء وقد ملأ شكله ما بين السماء والأرض : يقول : يا محمد أنت رسول اللّه إلى الناس . إن هذه الحالة التي مرّ بها محمد عليه الصلاة والسلام ، تجعل مجرد التفكير في كون الوحي إلهاما نفسيا ضربا من الهوس والجنون . إذ من البداهة بمكان أن صاحب الإلهامات النفسية والتأملات الفكرية لا يمكن أن يمرّ إلهامه أو تأملاته بشيء من هذه الأحوال . وأنت إذا تأملت في هذا الذي ذكرناه ، اتضحت أمامك الحكمة الإلهية العليا في أن يولد الوحي وتسير النبوّة في حياة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم بهذا الشكل الذي ورد به الحديث .